الخميس , 17 شوال 1440 هــ | 20 يونيو 2019

تابعنا على

وبعد ربع قرن من أحداث الأمن المركزى

بتاريخ 8 مارس 2011

المصدر |

الأهرام اليومى

وقعت أحداث الأمن المركزى فى آواخر شهر فبراير واوائل مارس من العام 1986، أى منذ ربع قرن من الزمان بالتمام والكمال، وتكمن خطورتها وأهميتها معا فى أنها كانت أخطر تمرد أمنى تشهده مصر عبر كل تاريخها على وجه التقريب خاصة إذا ما أخذنا فى الاعتبار أنها كانت مصحوبة بأعمال عنف أودت بحياة المئات من الأفراد وتدمير عديد من المنشآت العامة والسياحية فضلا عن أنها كانت أول مواجهة مسلحة بين المؤسسة الأمنية ممثلة فى الشرطة ومؤسسة الجيش الذى تولى مهمة إنهاء التمرد العسكري،وقعت أحداث الأمن المركزى فى آواخر شهر فبراير واوائل مارس من العام 1986، أى منذ ربع قرن من الزمان بالتمام والكمال، وتكمن خطورتها وأهميتها معا فى أنها كانت أخطر تمرد أمنى تشهده مصر عبر كل تاريخها على وجه التقريب خاصة إذا ما أخذنا فى الاعتبار أنها كانت مصحوبة بأعمال عنف أودت بحياة المئات من الأفراد وتدمير عديد من المنشآت العامة والسياحية فضلا عن أنها كانت أول مواجهة مسلحة بين المؤسسة الأمنية ممثلة فى الشرطة ومؤسسة الجيش الذى تولى مهمة إنهاء التمرد العسكري، واعادة الاستقرار والأمن الى البلاد بعد أيام من التوتر البالغ وحظر التجوال لعدة ليال أيضا، وكأنه كتب على الجيش أن يتحمل سوءات المؤسسة الأمنية عبر فترات متقطعة من تاريخ هذه الأمة.
- وربما كان من المفيد استدعاء ذكريات هذه الأحداث لما لها من أهمية فى تلك الأيام التى تعيشها مصر تزامنا مع تداعيات ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 ومحاولة استخلاص دروس ماجرى فى الأسبوع الأخير من شهر فبراير 1986 ربما تسهل علينا فهم بعض مما نعيشه الآن، فكما كانت المؤسسة الأمنية سببا فى أخطر تمرد مسلح تشهده مصر فى القرن الماضي، فالمؤسسة نفسها هى سبب أعمق وأكبر أزمة تعيشها مصر الآن وعبر كل تاريخها، وإذا كانت الأزمة الأولى نتيجة تمرد داخلى على قيادات الشرطة الا أن ماوقع اعتبارا من مساء الثامن والعشرين من يناير 2011 كان بمثابة تمرد على الأمة المصرية بأكملها وأوقعها فى حالة فراغ أمنى غير مسبوقة كل تفاصيلها ـ ولا نقول أسرارها ـ معروفة منذ ذلك اليوم وحتى الآن، كما تساعد استعادة وقائع أحداث الأمن المركزى فى ادراك جانب كبير من أسباب الأزمة الراهنة وما يرتبط منها على وجه الخصوص بطبيعة تكوين جهاز الأمن المركزى ومهامه الواسعة وعقم أى جهود ـ ان كانت هناك جهود من الأساس ـ لاصلاح هذا الجهاز منذ عام 1986 وحتى عام 2011 وأكبر دليل على ذلك هو تلك الأزمة الرهيبة التى غرقنا فيها بسبب استخدام هذا الجهاز «شبه العسكري» فى مهام سياسية وأمور تتعلق بالحريات العامة فى الأساس.
ولوضع هذا الحادث فى سياقه التاريخى الصحيح تجدر الاشارة الى انه وقع فى أصعب سنتين من فترة حكم الرئيس السابق حسنى مبارك، فمن اختطاف سفينة الركاب الايطالية «أكيلى لاورو» واقتيادها الى ميناء بورسعيد الى اعتراض الطائرات الأمريكية لطائرة مصر للطيران واجبارها على التوجه الى جزيرة صقلية الايطالية واعتقال خاطفى السفينة فى صفعة مروعة للدولة المصرية، الى حادث اختطاف طائرة ركاب مصرية أخرى واقتيادها بواسطة إرهابيين فلسطينيين الى جزيرة مالطا، ثم ما تبع ذلك من عمل عسكرى لتحرير الركاب انتهى بكارثة كبرى عندما احترقت الطائرة ولقى نحو ستين راكبا حتفهم فى الحال، وصولا الى حادث رأس بركة وقصة الجندى المصرى سليمان خاطر ابن قرية أكياد المصرية الذى قتل وأصاب نحو خمسة عشر إسرائيليا بمدفعه الرشاش عندما كان فى نوبة خدمة بمنطقة رأس بركة فى سيناء، الى أن عثر عليه مشنوقا داخل زنزانته وهو يمضى عقوبة السجن وهو الحادث الذى زلزل مصر وسط ظروف وملابسات غامضة، وأغلب الظن أن أسراره كلها لم تعرف بعد مثله مثل الأحداث القاسية التى مرت بها مصر بين عامى 1985 و1986 ومن بينها بالقطع أحداث الأمن المركزي.
فكل ما نعرفه من تفاصيل تلك الأحداث المعلنة أنها أطاحت بوزير الداخلية انذاك اللواء أحمد رشدى وجاءت بوزير اخر فريد وغريب من نوعه فى عالم وزراء الداخلية وهو اللواء زكى بدر، أما تفاصيل الأحداث التى أذيعت وانتشرت وقتها فتتمثل فى قيام عشرات الآلاف من مجندى الأمن المركزى فى عدد من محافظات مصر وفى وقت واحد بتمرد مسلح ضخم احتجاجا على شائعة سرت بينهم بأنه سوف يتم تمديد فترة خدمتهم لعدة أشهر أخري، وقيل أيضا إن التمرد كان نتيجة الظروف القاسية التى يعيشها مجندو الأمن المركزى مهنيا وانسانيا، وطبعا كانت هناك نظرية المؤامرة التى اعتبرت ماحدث أمرا مدبرا من داخل جهاز الشرطة ذاته وصولا الى تحقيق مآرب شخصية، وعلى أية حال هذا الحادث هو واحد من الأحداث التى ينبغى فتحها من جديد وصولا الى الحقائق وسط سيل علامات الاستفهام والتعجب التى لم تبدد غيوم الغموض حتى الآن، وقتها قام جنود الأمن المركزى بإحراق عدد من المنشآت الحيوية وقطع عشرات الطرق اضافة الى أعمال سلب ونهب ولم يحسم الموقف إلا تدخل الجيش بالقوة المسلحة وكان بالفعل تدخلا حاسما أعاد الأمن والاستقرار الى ربوع البلاد.
وبعد مرور خمسة وعشرين عاما لاتزال أسئلة كثيرة معلقة حول الأمن المركزى ذاته وحتمية تحديد دوره فى المرحلة المقبلة، وهى ضرورة تفرضها تطورات ثورة الخامس والعشرين من يناير، ولعل فى مقدمة تلك الأسئلة علامة استفهام كبيرة حول بناء جهاز أمنى بالكامل بمنطق أو بمفهوم «السخرة» فقوات الأمن المركزى هم مئات الآلاف من المجندين من صعيد وأرياف مصر ومن الفئات شديدة الفقر والجهل والأمية ويتم تجنيدهم وتدريبهم وإعاشتهم فى ظروف قاسية للغاية ولا يحصلون على مرتبات حقيقية اللهم إلا مكافأة متواضعة عبارة عن مصروف جيب ليس أكثر، وغنى عن القول أنه لا يوجد جهاز أمنى فى العالم يقوم على مفهوم السخرة، فالأمن فى الأساس هو خدمة مدنية مدفوعة ومن حق دافعى الضرائب أن يحصلوا على خدمة متميزة نظير مايدفعون فى المجال الأمني، ولنتأمل مثلا مسألة المرور وتنظيم الشوارع، وكم هى فاشلة فشلا ذريعا نتيجة إسنادها الى مجموعة من مجندى الأمن المركزى الذين لا يجيدون فى الغالب القراءة والكتابة، وكثير منهم ربما لم يتعرف على طريق الاسفلت إلا يوم ذهابه للتجنيد، فكيف نطلب منه تنظيم المرور فى مدن بحجم القاهرة والاسكندرية والمنصورة على سبيل المثال وكيف يتحدى وهو المنكسر البسيط حيتان المرسيدس والبى ام دبليو والكورولا. أليس من المنطق أن يكون جهاز تنظيم المرور محترفا ومدربا على أعلى مستوى والأهم أن يكون مدفوع الأجر من أموال دافعى الضرائب ومن حقهم أيضا الحصول على خدمة متميزة؟!
ولا مجال هنا لمقارنة وضعية هذا المجند بوضع مجند الجيش لأن خدمة الوطن ضد الاخطار الخارجية ـ والداخلية عند اللزوم ـ هى من الأمور المقدسة، وحتى لا نبخس جهاز الأمن المركزى حقه نشير الى انه بالفعل تحمل أعباء كثيرة فى الحرب على الإرهاب ودفع ثمنا باهظا لفساد بعض الأجهزة عندما تم الزج به لمحاربة الخارجين على القانون تارة وضرب وقمع المعارضين السياسيين تارة أخري! وتقتضى تلك الحقائق البحث عن فلسفة جديدة يتم على أساسها إعادة بناء قوات الأمن المركزى التى وصلت الى حد الصدام مع الجماهير وأصبحت مرفوضة شعبيا، وربما من الأجدى الآن اعادة هيكلتها وتحديد تبعيتها ورسم قيادة جديدة لها، ومن واقع تجارب دول أخرى لماذا لا يتم النظر بمنتهى الجدية فى إسناد قيادة وتبعية قوات الأمن المركزى الى القوات المسلحة مع تغيير اسمها من «الأمن المركزي» الى «الحرس الوطني» على أن تكلف بالمهام الخاصة بحماية الوطن من الاخطار الداخلية وخاصة تلك التى تستوجب استخدام القوة ضد العناصر المارقة والخارجة على القانون، لا شك فى أن ذلك سيجعل منها قوات أكثر انضباطا وأكثر فاعلية بتكريس جهودها للمهام الوطنية الداخلية الكبرى دون أن تتدخل لقمع المتظاهرين والمعارضين السياسيين، على أية حال أصبحت هناك حاجة ملحة للبحث عن حلول غير تقليدية لهذا الجهاز تجنبا لتكرار ماحدث يوم الثامن والعشرين من يناير 2011 ومن قبل فى الأسبوع الأخير من فبراير عام 1986، فلا يجوز تحت أى ظرف من الظروف وفى أى حال من الأحوال أن تكون الأجهزة الأمنية وبالا على الوطن.